الحكيم الترمذي
52
كيفية السلوك إلى رب العالمين
حتى انفرد للفرد الذي هو مولاه . ووجه آخر : معنى العين أنه عزت نفسه بالإيمان ، والراء : راحت روحه بارتياح ذكر الرحمن ، والفاء : فتح اللّه تعالى قلبه بالفقه في علوم القرآن . ووجه آخر : عشقت نفسه ، ورق قلبه ، وفاقت روحه . ووجه آخر : عبد أعانه ربه ، فرأى بعونه ما غاب عن عينيه ، وكشف له عن معاني الأشياء ، ففارق النفس والخلق بقلبه ، فقام بربّه لا بقوة نفسه ، مكشوف به سره ، مشغول بربه ، قد آثره على ما دونه ، فإنه عرف أنه أكبر وأجلّ وأعظم وأعز وأكرم وأعلى وأعلم وأغنى وألطف . فغرق نور فؤاده في مشاهدة عظمته ، وهو في بحر فوائد اللّه تعالى ، لا ينتهي مددرها ولا يبلغ غوره أحد . فهذا أقلّ علامة من علامات العارف ، لأن العارف لا يدركه في أحواله ريح عاصف ، ولا يتصل به برق خاطف ، ولا يخبر عنه وصف واصف . ويطوف حول سرّه من اللّه تعالى في كل وقت من برّ اللّه تعالى ولطائفه ورحمته وكرامته وعظمته وفوائده ونعمه ، لا ينقطع عنه أدنى طرفة عين من اللّه أنواع اللطائف . فهو عارف باللّه ، وعند اللّه نفسه ، وغير عارف بما ينكر من نفسه من أخلاقها السيئة ومن عيوبها ، وله من أقواله وأفعاله حكمة . وهذا كله إنما يتبين له من بحر فضله . ويثبّته على هذه المرتبة العظيمة جبل نور التوحيد الذي هو الجبل الرابع ، وهو على مستقر اللب ، وهو الجبل الذي لا غاية لعلوه ولا نهاية لعظمته ، وهو معدن جميع الخيرات والبحر الذي يخرج منه كل خير ويرجع إليه كل خير ، ولا يتهيأ لأحد من الخلق وصف نوره بلسان العبارة إلّا على مقدار ما يوفّق وييسّر . واعلم ، أيّدك اللّه ، أن هذا عبد أخذه نور التوحيد ، فأحاط به حتى أغرقه في بحره . فصار نور التوحيد على وجه المثل كالشمس ، فهي أطول في الصيف وأشدّ حرّا ، طلعت عليه حتى بلغت موضعها من الزوال وهو أعلى موضع في أيام الصيف ترتفع الشمس إليه . وليس في السماء غيم ولا علة حاجزة لنورها ولا سبب مانع لحرها وضيائها من ظلمة . وليس بينها وبين هذا العبد شيء ، حتى أحاطت برأسه ، فأحرقته الشمس بحرّها ، وغيّرت حاله مألوفا وطبقا ، ولا يرى لشخصه ظلا من ارتفاعها وعلوّ مكانها إلا عند قدميه ، ولا تستقر قدماه على الأرض من شدة الحر إلا على الضرورة . فكيف يكون هذا الموحّد الذي أقامه اللّه تعالى مقام التوحيد بحوله وقوته ؟ وهو مقام من يحسّ به أسد فيقتله ويأكله وقد استيقن بهلاكه ليس له معتمد ولا كافّ ولا